هل السنة والجماعة:

أحــہٰٰ۫ـــفاد الصــہٰٰ۫ـــحــہٰٰ۫ـــابه رضــہٰٰ۫ـــوان الله عليۦ‏ــہٰٰ۫ـــهمے أحــہٰٰ۫ـــفادعمــہٰٰ۫ـــر الفاروق .


عائشة رضى الله عنها بنت أبي بكر الصديق

شاطر
avatar
فتون السلمي
صــــاحــــب المــــوقــــ؏ے
صــــاحــــب المــــوقــــ؏ے

عدد المساهمات : 223
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 11/06/2016
الموقع : جدة
27062016

عائشة رضى الله عنها بنت أبي بكر الصديق

مُساهمة من طرف فتون السلمي

هذه هي عائشة رضي الله عنها معلمة العلماء، ومؤدبة الأدباء، وبليغة الفصحاء، ومحدثة الفقهاء، إنها الحصان الرزات المبرأة من السماء، إنها حبيبة سيد المرسلين، والمبشرة بصحبته في جنة رب العالمين.

نشأت ونبتت في حقل الإسلام وسقيت بماء الوحي على يد أبيها أبي بكر وحبيبها محمد صلى الله عليه وسلم، وقد ابتليت بلاءً عظيماً أثبتت فيها قوة إيمانها، وعظيم صبرها، واستحقت بأن يذكر ربها في كتابه، ولذلك حبها يعتبر دين، وبغضها نفاق. 

 مكانة عائشة عند الله ورسوله والمؤمنين :-

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه، وعلى أله وأصحابه وأحبابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته، واقتفى أثره إلى يوم الدين.

أما بعد:

فمرحباً بكم أحبتي في الله! وأسأل الله جل وعلا أن يطهر هذه الوجوه المشرقة الطيبة، وأن يزكي هذه الأنفس، وأن يشرح هذه الصدور، وأن يتقبل مني ومنكم صالح الأعمال، وأن يجمعني وإياكم في الدنيا دائماً وأبداً على طاعته، وفي الآخرة مع سيد النبيين في جنته ومستقر رحمته، إنه ولي ذلك ومولاه، وهو على كل شيء قدير.

أحبتي في الله! 

هذا هو لقاؤنا الحادي عشر، مع أئمة الهدى ومصابيح الدجى، ولا زلنا -بفضل الله جل وعلا- نطوف مع حضراتكم في بستان سير أصحاب المصطفى صلى الله عليه وسلم، ذلكم البستان الذي لا ينتهي عبيره، ولا ينقطع شذاه، ولا تذبل أزهاره، ولا تموت وروده، ولا يمل المتجول بين أغصانه وأشجاره وأزهاره أبداً.

ومن ثم فلقد جاءني في اللقاء الماضي بعض الأحبة، وقالوا: بقي كثير من الصحابة كنا نتمنى أن نسعد بالحديث عنهم، قبل أن تبدأ حديثك عن أمهات المؤمنين وعن الصحابيات رضوان الله عليهن، فذكرت أحبابي بما ذكرت في أول لقاء لنا من لقاءات هذه السلسة الكريمة، حيث قلت: إنه ليس من الصعوبة أن نقطف زهرة وحيدة في وسط صحراء مقفرة، ولكن من الصعوبة بمكان أن نقتطف زهرة في وسط حديقة غناء، تضم كل أنواع الزهور، وتشمل كل ألوان الورود، وتحوي كل أصناف العبير.

لذا، فلو توقفت مع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لاحتجنا والله إلى سنوات طوال، وليس ذلك مبالغة، لماذا؟

لأن أصحاب الحبيب المصطفى هم عمر الزمن، ونبض الحياة، ومن المحال أن نحسب أنفاس الزمن، وأن نقدر نبض الحياة.

وهذه السلسلة -أيها الأحبة- ليست خاصة بأصحاب النبي رضوان الله عليهم جميعاً وحدهم، وليست تأريخاً ولا سرداً للسيرة، وإنما نقدمها في عجالة سريعة للعظة والعبرة من ناحية، ولتقديم القدوة الصالحة الطيبة من ناحية أخرى؛ ليتربى عليها جيل الصحوة المباركة، في وقت قدم فيه التافهون والساقطون والفارغون؛ ليكونوا القدوة والمثال.

ولذا فإني لن أتوقف طويلاً أيضاً مع أمهات المؤمنين ومع الصحابيات رضوان الله عليهن، لننتقل بعد ذلك للحديث عن أئمة الهدى ومصابيح الدجى في عصور التابعين ومن بعدهم، فتعالوا بنا قبل أن تطاردنا عقارب الساعة؛ لنلقي السمع والبصر والفؤاد بين يدي الصديقة بنت الصديق ، والعتيقة بنت العتيق، والحبيبة بنت الحبيب البكاء الرفيق.

إننا اليوم على موعد مع معلمة العلماء، ومؤدبة الأدباء، وبليغة الفصحاء، ومحدثة الفقهاء، إنها الحصان الرزان المبرأة من السماء، إنها حبيبة سيد المرسلين، والمبشرة بصحبته في جنة رب العالمين، إنها أمنا عائشة أم المؤمنين عليها من الله الرحمة والرضوان.

أعيروني القلوب والأسماع -أيها الأحبة- فليست هذه اللقاءات خاصة بنسائنا فحسب، وإنما كل كلمة في هذه اللقاءات للرجال قبل النساء، وللنساء قبل الرجال، فهي هامة لكل مسلم ومسلمة، في وقت لا نعرف فيه إلا القليل القليل عن هؤلاء الأطهار، وعن هؤلاء الأبرار، وعن هؤلاء الأخيار، وفي الوقت الذي صم الإعلام آذاننا وأعمى الإعلام أبصارنا في سير وتاريخ الأقزام، فعلينا أن نعرف تاريخ هؤلاء، وأن نقف أمام سيرتهم، ولذا فإني أرى بأنه من الواجب علينا أن ندرس سيرهم، وسيرة الصحابيات رضوان الله عليهن؛ لنتعرف على ديننا، فهؤلاء هم الذين حولوا القرآن والإسلام إلى واقع حي، وإلى مجتمع متحرك منظور.

إننا اليوم على موعد مع عائشة ، وما أدراكم ما عائشة ؟! إنها حبيبة الحبيب صلى الله عليه وسلم، إنها المرأة التي ولدت في الإسلام، في بيت الصدق والتوحيد والإيمان، في بيت صديق هذه الأمة الأكبر أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه.  

   عائشة زوجاً للنبي صلى الله عليه وسلم :-

إنها الزهرة التي نشأت ونبتت في حقل الإسلام، وسقيت بماء الوحي على يد صديق الأمة ابتداء، ثم بعد ذلك على يدي رسول هذه الأمة صلى الله عليه وسلم، إنها عائشة -أيها الأحبة- عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وأرضاها، التي جاء بها الملك إلى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فرآها النبي مرتين أو ثلاثاً، ويقول له الملك في كل مرة، هذه امرأتك هذه زوجتك، كما ورد في الحديث الذي رواه البخاري و مسلم من حديث عائشة ، قالت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: { أريتك في المنام مرتين أو ثلاثاً } أي: أراني الله إياك في المنام مرتين أو ثلاثاً، وفي رواية أخرى في الصحيحين أيضاً: { أريتك في المنام ثلاث ليال، جاء بك الملك في سرقة -أي: في قطعة السرقة، بفتح السين والراء والقاف، وهي القطعة- جاء بك الملك في سرقة من حرير، فيقول لي الملك: هذه امرأتك، فأكشف عن وجهك فإذا أنت فيه، فأقول: إن يك هذا من عند الله يمضه }، وأمضاه الله جل وعلا.

فتزوجها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بعدما قدم المدينة المنورة -زادها الله تكريماً وتشريفاً- وهي بنت تسع سنين، وكانت الفتاة في هذا السن في أرض الجزيرة وفي ذلك الوقت تصلح لأن تكون زوجة ناضجة عاقلة واعية، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وهي بنت تسع سنين رضي الله عنها وأرضاها، فنشأت لا ترى إلا النبي أمامها، فسكن النبي صلى الله عليه وسلم في قلبها، وأحبت النبي حباً شديداً، وحق لها ذلك، فمن ذا الذي يحب إلا أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

وبادلها الحبيب هذا الشعور النبيل الكريم، وأحبها النبي حباً شديداً أعلنه أكثر من مرة في صراحة ووضوح، ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم من حديث عمرو بن العاص ، أن عمراً سأل النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وقال: { أي الناس أحب إليك يا رسول الله؟ قال: عائشة ، قال: فمن الرجال؟ قال: أبوها }، يقول الإمام الذهبي في كتابه المدهش سير أعلام النبلاء: وهذا خبر ثابت على رغم أنوف الروافض، أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أحب أفضل رجال الأمة، وأفضل نساء الأمة -أي: بعد خديجة رضي الله عنها- وما كان النبي صلى الله عليه وسلم ليحب إلا طيباً، وحري بمن أبغض حبيبي رسول الله أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله. 

   مكانة عائشة عند الصحابة :-

وعرف الصحابة هذه المكانة لـعائشة ، فكانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، فإذا أراد صحابي أن يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية أخرها إلى أن يأتي النبي بيت عائشة ، فيذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليقدم له الهدية في بيتها، والحديث رواه البخاري و مسلم ، تقول عائشة فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة ، أي: اجتمع نساء النبي إلى أم سلمة ، وقلن لها: يا أم سلمة ! إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة ، وإننا نريد الخير كما تريده عائشة ، فمري يا أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يعطوه الهدية حيث ما كان وحيث ما بات، فذهبت أم سلمة واشتكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها رسول الله، فلما عاد إليها في نوبتها الثانية ذكرت أم سلمة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأعرض عنها رسول الله، فلما ذهب إليها في المرة الثالثة ذكرت أم سلمة ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لها: { يا أم سلمة ! لا تؤذيني في عائشة ، فوالله ما نزل علي الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها }، وفي رواية في الصحيحين: { أن زوجات النبي أرسلن إليه مرة أخرى فاطمة ابنته رضوان الله عليها، فذهبت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عائشة ، فقالت له: يا رسول الله! إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة ، فنظر إليها النبي وقال: أي بنية؟ ألست تحبين ما أحب؟ قالت: بلى يا رسول الله، قال: فأحبي هذه } أي: عائشة رضي الله عنها وأرضاها.

ولذلك -أيها الأحباب- لما حملت شدة العيش أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أن يطلبن من رسول الله أن يوسع عليهن في النفقة، والرسول صلى الله عليه وسلم كما هو معروف لا يعيش معيشة الملوك والأكاسرة والقياصرة، وإنما يعيش الحبيب مع زوجاته عيشة متقشفة، فقد يمر على بيوت النبي صلى الله عليه وسلم الشهر والشهران ولا يوقد في بيت من بيوت الحبيب نار، أي: لا يطهون طعاماً، فلما سئلت عائشة : فماذا كنتم تأكلون إذاً؟ قالت: كنا نعيش على الأسودين: التمر والماء، بل لقد ورد في صحيح مسلم : { أن النبي خرج يوماً من بيته ما أخرجه من بيته إلا الجوع، فمر على أبي بكر و عمر ، فسألهما: ما الذي أخرجكما؟ قالا: والله ما أخرجنا إلا الجوع يا رسول الله! فنظر إليهما الحبيب وقال: والله ما أخرجني إلا الذي أخرجكما }.

فاشتكى النساء هذه المعيشة وهذا الضيق، وسألن النبي صلى الله عليه وسلم أن يوسع عليهن في النفقة، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضباً شديداً، واعتزل نساءه شهراً كاملاً، إلى أن نزلت عليه آية التخيير من الله جل وعلا، فأمر الله نبيه أن يخير نساءه بين الدنيا وزينتها مع فراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين الصبر معه على ضيق الحال مع الثواب العظيم في الدار الآخرة.

تقول عائشة : فلما خير النبي نساءه بدأ بي، كما ورد في صحيح البخاري و مسلم : { لما أمر رسول الله أن يخير نساءه أو أزاوجه بدأ بي، فقال لي: يا عائشة ! إني ذاكر لك أمراً فما عليك ألا تعجلي حتى تستأمري أبويك، تقول عائشة بدلال: وقد علم أن أبواي لم يكونا ليأمراني بفراقه، تقول: فقرأ عليَّ النبي صلى الله عليه وسلم آية التخيير، قول الله عز وجل: (( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ))[الأحزاب:28] * (( وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ))[الأحزاب:29]، فلما استمعت عائشة إلى هذه الآية قالت له: في أيّ شيء أستأمر أبواي يا رسول الله! فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة }، تقول عائشة : وفعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت.  

 عائشة وقصة الإفك :-

وهذه -أيها الأحبة- منقبة عظيمة وفضيلة كبيرة لـعائشة ، تبين كمال عقلها، وصحة رأيها مع صغر سنها، ولكن إن أعظم منقبة وأجل فضيلة لـعائشة رضي الله عنها هي تلك الشهادة الربانية التي لا تمحوها الأيام والأعوام، وكيف تمحى أو تنسى وقد جعلها الله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، إنها الشهادة ببراءتها وطهرها وعفتها ونقائها من الله جل وعلا، بعد هذه الفتنة القاسية والمحنة المزلزلة التي تعرضت لها عائشة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعيروني القلوب والأسماع لنستمع إلى عائشة رضي الله عنها وهي تقص علينا هذه المأساة المروعة، وهذه الفتنة القاسية المدمرة.

ففي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج إلى سفر أقرع بين نسائه -أي: أجرى القرعة بين النساء- فأيتهن خرج سهمها خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقرع بيننا النبي في غزوة من الغزوات وهي غزوة بني المصطلق، فوقع السهم علي، فخرجت مع النبي الله صلى الله عليه وسلم بعدما أنزلت آية الحجاب، فكنت أحمل في هودجي وأنزل فيه.

والهودج: هو المحمل الذي يوضع على ظهر البعير ليركب فيه النساء ليكون أستر لهن، فكانت تحمل في الهودج، يرفع الهودج وهي فيه على ظهر البعير، وينزل الهودج وهي فيه على ظهر البعير.

تقول: فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من الغزو وقفل راجعاً إلى المدينة، ودنونا منها، آذن الرسول صلى الله عليه وسلم ليلةً بالرحيل، وتخلفت عائشة رضي الله عنها خلف الجيش لقضاء شأنها، أي: لقضاء حاجتها.

ولما تأخرت عائشة رضي الله عنها جاء الرهط الذين كانوا يحملون الهودج ويقودون لها بعيرها، فحملوا الهودج لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالرحيل ووضعوه على ظهر بعير عائشة ، وهم لا يعلمون أنها ليست بداخله، فجاءت عائشة رضي الله عنها إلى المكان تقول: فلم أ جد فيه مجيب ولا داعي.

تقول: فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني وسيرجعون إليّ في مكاني الذي كنت فيه، تقول: فغلبتني عيني فنمت، نامنت في مكانها، وكان صفوان بن المعطل السلمي رضي الله عنه قد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتأخر خلف الجيش ليأتي بسقط أو بمتاع سقط من الجيش في مسيره، تقول: فلما رآني صفوان رأى سواد إنسان نائم فأقبل إليها، فعرفها، وكان يراها قبل نزول آية الحجاب، تقول: فاستيقظت من نومي باسترجاعه، أي: انتبهت من نومي على صوته وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، عرف أنها زوج نبيه صلى الله عليه وسلم.

تقول: فخمرت وجهي بجلبابي، خمرت أي: غطيته، فخمرت وجهي بجلبابي، ووالله ما كلمني كلمة، وما سمعت غير استرجاعه، أي: غير قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأناخ لي صفوان الراحلة، فركبت عليها وانطلق يقود بي الراحلة حتى أدركنا الجيش، وقد نزلوا معرسين في نحر الظهيرة، أي: في وقت حر الظهيرة الشديد، فلما رآها رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول قال: من هذه؟ 

 حملة الإفك والافتراء العظيم :-

قالوا: إنها عائشة ، فقال رأس النفاق: زوج نبيكم باتت مع رجل حتى الصباح وجاء يقودها، والله ما نجت منه ولا نجى منها، قولة عفنة، قولة خبيثة خطيرة، إنها القلوب المريضة التي تريد أن تثأر وأن تلوث صورة الإسلام، متمثلة في أطهر قدوة وأعظم مثال في محمد صلى الله عليه وسلم, وآل بيته الطيبين الطاهرين.

وطير المنافق هذه الفرية العظيمة، وهذه القولة الخبيثة الخطيرة، وتلقفتها القلوب المنافقة، والألسنة المريضة، وبدأت تموج وتزداد وتنتشر، وماجت المدينة بعد وصول الجيش إليها شهراً كاملاً بهذه الفرية العظيمة، في شرف الحبيب المصطفى وفي عرض ابن عبد الله صلى الله عليه وسلم، والمسكينة عائشة لا تعلم عن الأمر شيئاً.

الله أكبر! رسول الله يتهم في عرضه، رسول الله يتهم في شرفه، وفي من؟ في عائشة التي أحبها من كل قلبه، رسول الله يتهم في طهارة بيته، وهو الطاهر الذي فاضت طهارته على جميع العالمين، رسول الله يتهم في صيانة حرمته وهو القائم على صيانة الحرمات في أمته، يتهم الحبيب صلى الله عليه وسلم في شرفه وعرضه، بل وفي رسالته، يوم يرمى في عائشة رضي الله عنها.

وها هي المسكينة، ها هي الطاهرة العفيفة النقية التقية التي تربت في بيت الصدق والطهر والعفاف، في بيت صديق الأمة الأكبر، ها هي عائشة الزهرة التي تفتحت في حقل الإسلام، وسقيت بماء الوحي على يد رسول الله تتهم في عرضها! تتهم في شرفها! وها هو أبوها ذلكم التقي النقي الأواب الخاشع الرقيق يعصر قلبه الألم، ويحطم ضلوعه الحزن، ما هذا؟ إنه خبر يهدهد الجبال، ويحطم الصخور الصماء، ويفتت الحجارة الصلبة، ابنة أبي بكر تتهم في شرفها وعرضها، وابنته من؟ زوج حبيبه، وزوج رسوله، وزوج نبيه وأستاذه صلى الله عليه وسلم.

ويتألم الصديق ويتعالى على أحزانه المدمرة، ويقول بمنتهى الحسرة والمرارة: (والله ما رمينا بهذا في الجاهلية، أفنرضى به في الإسلام).

 وها هو الصحابي الجليل العلم صفوان بن المعطل يتهم في دينه حينما يتهم بخيانة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم.

الله أكبر! أيُّ ابتلاء هذا! وأيُّ محنة هذه، وأيُّ مصيبة هذه، وأيُّ فتنة هذه التي ابتلي بها رسول الله وعائشة رضي الله عنها وأرضاها؟!! (( أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ))[العنكبوت:2] * (( وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ))[العنكبوت:3]، (( أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ ))[البقرة:214].

تقول عائشة رضي الله عنها: فلما قدمنا المدينة مرضت شهراً كاملاً، وأنا لا أسمع من حديث الإفك شيئاً، حتى خرجت يوماً لقضاء حاجتي مع أم مسطح ، وكانوا لا يتخذون الكنف، أي: بيوت الخلاء في البيوت ولا قريباً من البيوت، فأخبرتها أم مسطح بن أثاثة التي سقط في هذه الهاوية مع أهل الإفك بما يتحدث به الناس، فصدمت عائشة رضي الله عنها وقالت: أوتحدث الناس بهذا؟! تقول: وكنت لا يريبني شيئاً من هذا إلا أنني لا أرى الرسول صلى الله عليه وسلم يعاملني بلطفه الذي كنت أراه منه حينما أشتكي، وكان يدخل عليّ فيسلم ثم يقول: كيف تيكم فقط، ولا يتكلم ولا يلاطفني ولا يلاعبني، هذا هو الذي رابني، ولكن ما سمعت شيئاً قط، فدخلت عائشة رضي الله عنها، فلما دخل عليها النبي مسلماً وهو يقول: كيف تيكم؟ نظرت إليه والبكاء يفتت كبدها، وقالت: يا رسول الله! أتأذن لي في أن أذهب إلى أبواي، تقول: وما طلبت ذلك إلا لأني أريد أن أتيقن الخبر، هل تحدث الناس بذلك؟!

فذهبت إلى بيت أبواي فقلت: يا أماه! ماذا يتحدث الناس به؟ فقالت أمها تخفف عليها: هوني عليك يا ابنتي، فوالله ما كانت امرأة وطيئة قط ولها ضرائر إلا وأكثرن في حقها، فبكت عائشة رضي الله عنها وعلمت أن الأمر حق، وأن الأمر واقع، وأن الناس يتكلمون في شرفها وعرضها، وهي من؟ زوج من؟ بنت من؟ أخت من؟ إنها بنت أبي بكر ، وزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقول: فبكيت بكاء زاد مرضي، وصدع قلبي، وكاد كبدي أن يتفتت من البكاء، وجلس عندي أبواي، وكادت فتنة خطيرة أن تحدث بين الأوس والخزرج بسبب هذا الحديث الخطير، وهذا الإفك المرير، تقول: وبينما أنا جالسة عند أبواي وهما يعلمان أن البكاء فالق كبدي، إذ استأذنت عليّ امرأة من الأنصار فأذنت لها، فدخلت وجلست معي تبكي، وبكيت معها، تقول: وبينما نحن كذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلس عندي وكانت أول مرة يجلس فيها عندي بعد حادثة الإفك. 

 ماذا قال النبي لعائشة بعد سماعه قولة الإفك :-

فجلس النبي عليه الصلاة والسلام، فحمد الله عز وجل وأثنى على الله، وتشهد شهادة الحق ثم قال: يا عائشة! إنه بلغني عنك كذا وكذا، وإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل، وإن ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا ألم بذنب وتاب إلى الله تاب الله عليه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، هذه بشرية الحبيب أيها الأحباب!

تقول: فلما انتهى النبي من مقالته قلص دمعي لا أجد دمعة واحدة في عيني، ونظرت إلى أبيها إلى أبي بكر رضي الله عنها وهي تقول: يا أبت! أجب رسول الله عن مقالته، فيقول الصديق الرفيق الذي يعصر قلبه الألم يقول لها: والله يا بنية ما أدري ماذا أقول لرسول الله، والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله، فتنظر هذه الطاهرة هذه البريئة العفيفة إلى أمها وتقول: يا أماه! أجيبي رسول الله، أجيبي رسول الله عن مقالته، فتقول أمها: والله ما أدري ماذا أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظرت الصديقة الطاهرة إليهم جميعاً وقالت: والله إني لبريئة، ولو قلت لكم ذلك لم تصدقوني، ولو قلت لكم غير ذلك ستصدقونني، ووالله لا أجد لي ولكم مثلاً إلا ما قاله أبو يوسف: (( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ))[يوسف:18].

لك الله يا عائشة ، رحماك رحماك يا الله! رحماك رحماك يا الله! رحماك رحماك يا الله! 

تقول: ثم وليت بوجهي واضطجعت على فراشي، والبكاء يفتت كبدي، والألم يعصر قلبي، ووالله إني لأعلم أني لبريئة، وأن الله مبرئي ببراءة، ولكني ما كنت أظن أن الله تعالى سينزل وحياً يتلى في حقي، فلشأني في نفسي كان أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآناً يتلى.

تقول: ولكني كنت أرجو الله أن يري النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا يبرئني الله جل وعلا فيها، تقول: ووالله لم يبرح أحد مكانه، ولم يتحرك رسول الله من مجلسه، وإذ به يتنزل عليه الوحي، وتأخذه الشدة، حتى أن جبينه ليتحدر عليه العرق مثل الجمان، أي: كحبات اللؤلؤ، فعرفنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه. 

  نزول الوحي بتبرئة عائشة :-

شهر كامل يا عباد الله! لحكمة يعلمها العليم الحكيم، لم ينزل الله آية واحدة في شأن حادثة الإفك على قلب حبيبه المصطفى، والنبي صلى الله عليه وسلم يتلوى من الألم، ومن الحزن، ومن هذا البلاء، والوحي يتنزل عليه، وشخصت الأبصار، وانقطعت الأنفاس، وهمس الجميع، والكل ينتظر ما هي الآية، هل نزلت براءة عائشة ؟ تقول عائشة رضي الله عنها، فلما سري عن النبي صلى الله عليه وسلم، سري عنه وهو يضحك، وكانت أول كلمة نطق بها رسول الله أن نظر إليّ وقال: أبشري يا عائشة ! لقد برأك الله عز وجل.

الحمد لله الذي يسمع ويرى، الحمد لله الذي يعلم السر وأخفى، الحمد لله الذي يسمع دبيب النملة السوداء تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، أبشري يا عائشة لقد برأك الله من فوق سبع سماوات، لا برؤيا وإنما بوحي يتلى، بل وسيظل يتلى إلى يوم أن يرث الله ا لأرض ومن عليها، أبشري يا عائشة ! لقد برأك الله عز وجل.

فقالت أمها: الحمد لله، قومي يا عائشة إلى رسول الله، أي: قومي إليه فاشكريه، فقالت: لا والله، والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي من السماء.

يا له من يقين عجيب! لا والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل براءتي، وجلس الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليتلو على أسماعها لأول مرة براءتها من فوق سبع سماوات:

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذ ِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ))[النور:11] * (( لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ))[النور:12] * (( لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ))[النور:13] * (( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ))[النور:14] * (( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ))[النور:15] * (( وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ))[النور:16] * (( يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ ))[النور:17] * (( وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ))[النور:18] * (( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ))[النور:19] * (( وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ))[النور:20].

وكان الصديق رضي الله عنه يعطي النفقة لـمسطح بن أثاثة لقرابته وفقره، فلما تكلم في عائشة وفي حقها، قال الصديق : والله لا أعطيه النفقة بعد اليوم أبداً، فنزل قول الله جل وعلا: (( وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ))[النور:22] فلما سمعها الصديق قال: بلى، والله إني لأحب أن يغفر الله لي، وأعطى النفقة مرة أخرى لمسطح رضي الله عنه وغفر له، وقال الصديق : والله لا أنزعها منه أبداً.

وهكذا أيها الأحباب خرجت عائشة من هذه المحنة بهذه المنقبة وهذه الفضيلة، وزادت مكانتها في قلب الحبيب المصطفى، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. 

عائشة وآخر أيام النبي صلى الله عليه وسلم :-

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وزد وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه، وعلى كل من اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين. 

وهكذا أيها الأحبة! ظلت عائشة في قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وشاء الله جل وعلا الذي جمع بين قلبيهما أن يجمع بين ريقهما في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، تقول عائشة رضي الله عنها كما ورد في الصحيحين: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وفي يومي، وبين سحري ونحري، وجمع الله بين ريقي وريقه عند الموت، فبينما أنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليَّ عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك، فوجدت النبي ينظر إليه، وقد علمت أنه يحب السواك، فقلت: آخذه لك يا رسول الله! فأشار النبي برأسه: أن نعم، تقول: فأخذته فلينته، ثم نفضته، ثم طيبته، ودفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فاستن به أطيب ما كان مستن قط، وكانت بين يديه ركوة من ماء يدخل يده فيها ويمسح العرق عن جبينه الأزهر الأنور وهو يقول: { لا إله إلا الله إن للموت لسكرات }، ثم تقول: وإذ به يرفع يده ويقول: { بل الرفيق الأعلى بل الرفيق الأعلى }، ثم سقطت يده، فعلمت أنه صلى الله عليه وسلم قد مات.

مات الحبيب على صدرها، بين سحرها ونحرها، وجمع الله بين ريقه وريقها، يا لها من فضيلة عظيمة، ولم تمض إلا أشهر معدودات بعد سنتين ونصف بل أقل، تصاب عائشة بمصاب لا يقل عن المصاب الأول حزناً وألماً، فلقد نام أبوها الصديق هو الآخر على فراش الموت، ودخلت عليه الصديقة رضي الله عنها وهي تقول:

لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى              إذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر




فكشف أبو بكر الغطاء عن وجهه وقال: لا يا بنية! لا تقولي هذا، وإنما قولي: (( وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ))[ق:19]، وأوصاها الصديق أن يدفن في بيتها، إلى جوار حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، مات الصديق رضي الله عنه، وظهرت عبقرية الصديقة، وظهر علمها ومكانتها، وظهر فقهها ومكانتها الحديثية يبن الصحابة في عهد عمر وعثمان -في لقطات وومضات سريعة أيها الأحباب- حتى كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه يقول: ما أشكل علينا نحن أصحاب محمد حديث قط إلا وجدنا عند عائشة منه علماً، ظهرت مكانتها العلمية، وتفرغت للعلم ولرواية الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث روت أكثر من ألفين حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتفرغت للعلم وللتدريس، وكان كبار الصحابة يرجعون إليها في عهد عمر وعثمان ، وفي عهد علي -في أول خلافته- قامت الفتنة فتنة وقعة الجمل التي ندمت عليها أمنا رضي الله عنها ندماً شديداً. 

حقيقة ما وقع بين عائشة وعلي رضي الله عنهما :-

وأود في عجالة أن أنبه إلى اتهام باطل اتهمت به عائشة رضي الله عنها، وشحنت به بعض كتب التاريخ والسير، ألا وهو أن عائشة هي التي ذهبت إلى الكوفة والبصرة لتجييش الجيوش للخروج على علي ولحرب علي بن أبي طالب ، وهذا افتراء وباطل وكذب، وإن أعظم دليل على كذب هذا ما رواه الطبري بسند صحيح عن الأحنف بن قيس أنه قال: ذهبت إلى المدينة النبوية فرأيت الناس قد اجتمعوا في وسط المسجد النبوي، والناس يحاصرون عثمان رضي الله عنه، فلقيت طلحة والزبير فقلت لهما: والله ما أرى عثمان إلا مقتولاً، فإن قتل فمن تأمراني أن أبايع؟ فقال طلحة والزبير : عليك أن تبايع علياً ، يقول الأحنف بن قيس : فعدت إلى مكة فلقيت عائشة رضي الله عنها، فبلغنا خبر مقتل عثمان ، فقلت: يا أماه! من تأمريني أن أبايع؟ فقالت عائشة : عليك بـعلي ، يقول الأحنف : فعدت إلى المدينة فبايعت علياً ثم رجعت إلى البصرة مرة أخرى.

أما ذهابها إلى الكوفة والبصرة شرحته قبل ذلك مفصلاً في اللقاء الرابع من هذه السلسلة في خطبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وما ذهبت إلا متأولة، إلا لتريد الصلح والإصلاح بين المسلمين، ولجمع كلمة المسلمين متأولة بقول الله جل وعلا: (( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ))[النساء:114] إلا أنها وقع عكس ما كانت تتمناه وتريده تماماً، حتى كانت إذا ذكرت يوم الجمل تبكي، ويبلل البكاء خمارها وتقول: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. 

عائشة على فراش الموت :-

وفي شهر رمضان في السنة الثامنة والخمسين نامت الصديقة على فراش الموت، ودخل عليها ابن عباس رضي الله عنهما، فأبت أول الأمر أن يدخل عليها، فقال لها ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن : يا أماه! إنه ابنك، وخير صالحي أمتك وبنيك، يودعك ويسلم عليك، فقالت: ائذن له إن شئت، هذه رواية أحمد وابن سعد في الطبقات، وأبي نعيم في الحلية، وسندها صحيح، فلما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه بشرها وزكاها، وفي رواية البخاري قال لها: كيف تجدينك يا أماه؟ فقالت عائشة : بخير إن اتقيت، فقال ابن عباس : أنت بخير إن شاء الله، أنت زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، والبكر الذي لم يتزوج بكراً غيرك، وأنت زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة، فقالت له عائشة رضي الله عنها: يا ابن عباس ! لا حاجة لي في تزكيتك، والله لوددت أني كنت نسياً منسياً.

وهكذا أيها الأحباب! فارقت روحها هذا الجسد الطاهر؛ لتسعد مرة أخرى سعادة أبدية بصحبة الحبيب المصطفى، في مقعد صدق عند مليك مقتدر، في جنات ونهر، فلقد ورد في صحيح البخاري من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه أنه رضي الله عنه قال: (إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة).

رضي الله عن عائشة ، وصلى الله وسلم وبارك على نبيها وأستاذها ومعلمها، ورضي الله عن أبيها، ونسأل الله جل وعلا أن يجمعنا بهم في دار كرامته، ومستقر رحمته.

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين، اللهم لا تدع لأحد منا ذنباً إلا غفرته، ولا مريضاً إلى شفيته، ولا ديناً إلا أديته، ولا هماً إلا فرجته، ولا ميتاً إلا رحمته، ولا عاصياً إلا هديته، ولا حاجة هي لك رضى ولنا فيها صلاح إلا قضيتها ويسرتها يا رب العالمين.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مرحوماً، وتفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً، ولا تجعل اللهم فينا شقياً ولا محروماً، اللهم أصلح حكام المسلمين، وأصلح علماء المسلمين، وأصلح شباب المسلمين، وأصلح نساء المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

أحبتي في الله! 

أكثروا من الصلاة والسلام على نبينا، فإن الله جل وعلا قد أمرنا بذلك فقال: (( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ))[الأحزاب:56] اللهم صل وسلم وزد وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

هذا وما كان من توفيق فمن الله، وما كان من خطأ أو سهو أو نسيان فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأعوذ بالله أن أذكركم به وأنساه.
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

لا يوجد حالياً أي تعليق


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء ديسمبر 12, 2018 7:06 pm