هل السنة والجماعة:

أحــہٰٰ۫ـــفاد الصــہٰٰ۫ـــحــہٰٰ۫ـــابه رضــہٰٰ۫ـــوان الله عليۦ‏ــہٰٰ۫ـــهمے أحــہٰٰ۫ـــفادعمــہٰٰ۫ـــر الفاروق .


يتبع لما سبق عائشة رضى الله عنها الحميراء ٢

شاطر
avatar
فتون السلمي
صــــاحــــب المــــوقــــ؏ے
صــــاحــــب المــــوقــــ؏ے

عدد المساهمات : 223
السٌّمعَة : 0
تاريخ التسجيل : 11/06/2016
الموقع : جدة
27062016

يتبع لما سبق عائشة رضى الله عنها الحميراء ٢

مُساهمة من طرف فتون السلمي

فإن بعض النساء اليوم عندها فطنة، وعندها ذكاء، وعندها سرعة حافظة، لكنها موجهة توجيهاً غير سليم، فتراها تمزج بين الموديلات للملابس بين هذا وهذا، وتحفظ ذاك، والأول والثاني، وتعرف أن هذا طراز قديم وهذا طراز حديث، بينما عائشة رضي الله عنها كانت لها أذن واعية وقلب مستقبل لكل ما فيه منفعة في هذه الدنيا وفي الدين على وجه الخصوص، ولذلك قال عروة : فلقد ذهب عامة علمها لم أسأل عنه.
عروة هو ابن أختها، والذي كان ملازماً لها، والذي روى كثيراً من علمها يقول لكثرة علمها وتشعبه يقول: إنها ماتت وتوفيت وذهب عامة علمها ولم يستطع أن يسألها عنه؛ لكثرته، مضى الزمان وانتهى عمرها قبل أن يأخذ علمها الغزير.
وكانت تحفظ الشعر وترويه كأحسن ما يروي الناس الشعر، ولا تنسوا أن هذا كله والنبي عليه الصلاة والسلام توفي عنها وهي ابنة ثماني عشرة سنة، هذا العمر الذي اليوم ربما ابنة الثامنة عشرة لا هم لها إلا أن تحسن وجهها، وتنعم صوتها، وتتكسر في مشيتها، لا تعرف اهتماماً من أمور الدنيا ولا من أمور الدين، ولا تفكر في آخرة، ولا تحوز علماً، ولا تتأهل إلى تربية، ولا تتصدى لفتيا، ولا شيئاً من ذلك مطلقاً، وهذا يدلنا على البون الشاسع بينما كانت عليه أزواج النبي عليه الصلاة والسلام ونساء المؤمنين، وبينما آل إليه الحال في نساء هذا الزمان إلا من رحم الله في عصرنا هذا، ولذلك ينبغي للمرأة أن تفطن إلى ما يتعلق بتحصيل العلم، فقد كانت عائشة رضي الله عنها على هذا النحو الواسع من العلم.
وعن الشعبي أن عائشة رضي الله عنها قالت: (رويت للبيد نحواً من ألف بيت) وكان الشعبي يذكرها أي: عائشة فيتعجب من فقهها وعلمها ويقول: إذا كان هذا العلم الذي تحفظه فما ظنكم بالتربية العلمية والعملية التي تلقتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
ومن هنا لجأ إليها الصحابة رضوان الله عليهم ونهلوا من علمها وأخذوا من فقهها كثيراً. 
قال ابن سعد في الطبقات: كانت عائشة رضي الله عنها أعلم الناس، يسألها الأكابر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وقال أيضاً: ما كان أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام يشكون في شيء إلا سألوا عنه عائشة ، فيجدون عندها من ذلك علماً. 
بل قد صنف الزركشي كتاباً كاملاً سماه: "الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة" أي: فيما استدركت عليهم من الأخطاء التي وقعوا فيها، أو الأقوال التي خالفتهم فيها بحجة ودليل من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن ذلك ما ورد في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قال عمر رضي الله عنه عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: { إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه } فقالت عائشة رضي الله عنها: { رحم الله ابن الخطاب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، وإنما قال: إن الكافر ليعذب ببكاء أهله عليه }وكانت تستدرك وتقول: (حسبكم كتاب الله ((وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ))[الأنعام:164]).
فكان عندها فقه عجيب، وبصر نافذ، وإحاطة شاملة بكثير مما أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. 
وكما قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : ما رأيت أحداً أعلم بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أفقه في رأي إذا احتيج إلى رأيه، ولا أعلم بآية نزلت ولا فريضة من عائشة رضي الله عنها.
ومسائلها في هذا الباب كثيرة، فلذلك ينبغي للمرأة المسلمة أن تعرف أنها على قدم سواء مع الرجل في التكليف، وفي الفضائل المتعلقة بتحصيل الثواب من كثرة العبادات، ومن تحصيل العلم وطلبه فإن ذلك خير عظيم لها ولمن ورائها من النساء.
وأؤكد على هذه النقطة كثيراً للرجال والنساء؛ لأننا في الحقيقة مقصرون في تمكين المرأة من أن تحوز العلم، ومن أن تحصل ما تحتاج إليه وتنتفع به، وكما أشرت فإن الأب قد يحرص على ابنه أن يدفعه إلى من يحفظه القرآن ويعلمه، بينما لا يلتفت في ذلك إلى ابنته، مع أن الأمر لو قيل بالمفاضلة لكانت البنت أولى؛ لأنها أكثر تعرضاً للفتنة، وبحكم عاطفتها أكثر تعرضاً للإغواء والإغراء، بينما ليس كذلك الفتى، وإن كان المسلم مطالباً بأن يعنى بتربية أبنائه ذكوراً وإناثاً، وتعليمهم على نفس المستوى قدر المستطاع. 
 المعاملة الزوجية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين عائشة :-
أنتقل إلى جانب مهم يهم الرجال والنساء معاً ذلكم: هو جانب المعاملة الزوجية التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الخلق أجمعين وبين عائشة رضي الله عنها، وهي من علمنا فضلها وخصائصها.
جملة من الروايات والقصص في معاملة رسول الله عليه الصلاة والسلام لـعائشة تكشف لنا عما ينبغي أن يكون عليه الرجل مع زوجته، وما ينبغي أن تكون عليه الزوجة مع زوجها، من ذلك:
تلطفه عليه الصلاة والسلام ورقته وحنانه ومحبته وتودده لـعائشة رضي الله عنها، كما ورد في الصحيح عن عائشة تقول: { لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم على باب حجرتي، والحبشة يلعبون بالحراب في المسجد، وإنه ليسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقف من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو } فهذا الرسول عليه الصلاة والسلام وهو من هو عظمة يتودد إلى عائشة ، ويمكنها من أن ترى بعض ما يدخل السرور على نفسها، ويقف لأجلها حتى يكون رداءاً وساتراً لها، ولا يتحرك حتى تنتهي من فرجتها ومطالعتها ومن متعتها وسرورها؛ تلطفاً منه عليه الصلاة والسلام ومراعاة لها ولسنها، فما بال الرجال يأنفون عن أقل من هذا بكثير، بل يستكثرون به على أزواجهم، ويظنون أن في ذلك إذهاباً لهيبتهم، وأنه لا بد أن يكون الواحد منهم متجهم الوجه، مقطب الجبين، ينظر بعينه شزراً، وتتقد عينه جمراً، وإن لم يكن كذلك فلا يكون رجلاً، هذا لا شك أنه من فرط الجهل لأصول المعاشرة.
فإن الإنسان قد يتوقى ويتحرز من الناس البعيدين أو الأغراب، أما من تكثر الخلطة معهم فلا بد أن تكون معهم على لين وتودد وتلطف، وعلى ترسل في المعاملة من غير تكلف، وعلى إبداء ما عندك دون حرج؛ لأنك ستلقاهم كل يوم، فلو تحفظت وتحرجت وتهيبت، فإنك لا تستطيع أن تستمر على ذلك.
قد ترى الإنسان الآن عندما تتعرف إليه أول أمره لا يتكلم معك في خاص أموره، ولا فيما يتعلق ببعض ما يحترز منه من الدعابة أو المزاح أو كذا، لكن إذا أكثرت خلطته وعشرته بدا لك منه كل شيء، فكيف يكون الرجل مع زوجته وهي أقرب الناس إليه وأكثرهم عشرة له، ثم لا يتلطف ولا يتودد ولا يكون في سيرته معها على ما هو طبعه وسجيته دون أن يكون متكلفاً ولا متجهماً؟!
وكذلك من لطائف هذه المعاملة الزوجية ما ورد في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: { إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت عليّ غضبى }.
ليس هناك من غضاضة ولا جرم ولا كبيرة من الكبائر أن تغضب المرأة على زوجها، لما قد يقع من أسباب الاختلاف المعتادة في حياة الناس، ولكن انظروا إلى أدب عائشة وإلى فطنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت له: { كيف ذاك يا رسول الله؟ -أي: كيف تعرف رضاي من غضبي؟!- فقال: إذا كنت راضية عني قلت: لا ورب محمد، وإذا كنت غضبى قلت: لا ورب إبراهيم، فقالت عائشة رضي الله عنها: أجل والله ما أهجر يا رسول الله إلا اسمك } فهذا يدل على أنه قد يقع ما يوجب الخلاف والنزاع، ولكن لا بد أن يكون له حده؛ فلا تتجرأ المرأة على زوجها ولا تشتمه ولا تنتقصه ولا تذكره بما يسوءه، ولا تنعته بما لا يحب ولا تصفه بما يكره، ولا تنبزه بما هو عيب وإن كان فيه؛ لئلا توغر صدره، وتجعل كما نقول: من الحبة قبة ولئلا تنفخ في نار هذه الشحناء اليسيرة والمخالفة اليسيرة، فإذا بها تغدو مشكلة كبيرة وصراعاً عنيفاً لا يحل بسهولة، ثم انظر إلى أدب عائشة رضي الله عنها وحسن تقديرها وتعظيمها لرسول الله عليه الصلاة والسلام مع إشعارها بأنها غضبى؛ حتى يتلطف معها، فإنها تشعره بأقل القليل الذي يغني عن غيره، فكانت تقول: (لا ورب إبراهيم) وإذا كانت راضية تقول: (لا ورب محمد) وما أخطأت في القولين كليهما، وإنما أحسنت في الأدب، وانظروا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام ما قال لها: إني أعرف أنك غاضبة ليقابل غضبها بغضب، وإنما ليستل ويدخل هذا المدخل اللطيف الودود المحبب ويقول لها مداعباً وملاطفاً: إني أعرف هذه الحالة وهذه الحالة، وبين لها أنه قد بلغته رسالتها وعرف مقصدها، وأراد أن يمحو ما كان من سبب هذا الغضب.
ومن ذلك أيضاً ما ورد في حديث النعمان بن بشير قال: { استأذن أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فإذا عائشة ترفع صوتها عليه فقال: يا بنت فلانة! } وهذه أساليب العرب عجيبة في تعاملهم، هي ابنته لكن في هذا الفعل لم يكن راضياً عنها، فلم يرد أن ينسبها إليه وهي تفعل فعلاً لا يحبه فقال: (يا ابنة فلانة!) نسبها إلى أمها ثم قال: { ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحال النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها } أراد أبو بكر أن يتوجه إلى عائشة ليضربها ويعنفها، وقد استنبط بعض أهل العلم: أنه يجوز لأب البنت أن يربيها وأن يزجرها بحضرة زوجها، لكن انظروا: { فحال النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينها } مع أن النبي عليه الصلاة والسلام هو إذا صح التعبير المعتدى عليه، وعائشة هي التي رفعت صوتها عليه، ومع ذلك حال بينها وبينه: { ثم خرج أبو بكر رضي الله عنه فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يترضاها } يترضى عائشة ويتلطف معها وقال: { ألم تريني حلت بينك وبين الرجل؟! } يستشفع بالموقف الدفاعي الذي وقفه عليه الصلاة والسلام، ثم استأذن أبو بكر مرة أخرى فسمع تضاحكهما، أي: النبي عليه الصلاة والسلام وعائشة ، قد أزال عليه الصلاة والسلام بحسن معاملته هذا الأمر الذي كان سبب هذا الغضب فقال أبو بكر : { أشركاني في سلمكما كما أشركتماني في حربكما } ما أجمل هذا الموقف! وما أرق رسول الله صلى الله عليه وسلم! وما أحسن تأتي عائشة ولينها وانكسارها لرسول الله عليه الصلاة والسلام! 
ومعلوم أن الحياة الزوجية لا تخلو من المكدرات، ولكن هذه المعاملة هي التي تزيل أسباب الكدر، وإذا كانت هناك مكدرات فإن هناك مهدئات ومسكنات من هذه المعاملة اللطيفة، فلذلك رفعت المرأة صوتها على زوجها ولم يكن زوجها أي أحد، بل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل منها؛ مراعاة لطبيعتها وغضاً للطرف عما سبب لها ذلك الغضب، ثم بعد ذلك حال بينها وبين أبيها، ثم جعل يترضاها ويستشفع بما كان منه من موقف تجاهها، ثم تضاحك الزوجان مرة أخرى وعاد الوئام في لحظات، وإن لم يكن الأمر كذلك فإن الكلمة تجر أختها، وإن أحياناً الحركة تجر غيرها، وتزداد الشقة والخلاف والنزاع.
ومن لطيف حسن معاملة النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث هنا لعله يكون أكثر توجيهاً للأزواج والرجال أكثر منه للنساء، كل هذه المواقف تربية في سيرة عائشة وهدي رسول الله عليه الصلاة والسلام لكلا الجنسين، ففي حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: { سابقني رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبقته ما شاء -يعني: أكثر من مرة- حتى إذا رهقني اللحم سابقني فسبقني فقال: يا عائشة هذه بتلك }.
موقف جميل جداً لعل الواحد منا يتنزه عما هو أقل منه، ويرى أن ذلك خارم لمروءته، وجارح في عدالته، وإنزال من منزلته، فإذا ظن ذلك فليستغفر؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك، ولنا فيه قدوة وأسوة حسنة، فإنه كان يتلطف بهذا، وهذا يدلنا أيضاً على عظمة رسول الله عليه الصلاة والسلام من وجه آخر، فإنه كان يجيش الجيوش، ويدرس الدروس، ويربي الرجال، ولم يشغله كل ذلك عن أن يكون مؤدياً لحق أهله ومراعياً لزوجته حتى في تفرغه لمسابقتها ومداعبتها وملاعبتها، وغير ذلك من الأمور التي ينشغل عنها الناس اليوم، ولا يفطنون لها ولا يتوددون بها إلى أزواجهم، فتبقى الحياة كاحتكاك الحديد بالحديد ليس هناك بينهم حسن التلطف والتودد الذي يزيل هذا الاحتكاك، ويجعل المسائل على أحسن وجه مما يجعل الحياة الزوجية هانئة سعيدة.
ومن لطفه عليه الصلاة والسلام وعظيم محبته لـعائشة رضي الله عنها، وهذا حب فريد منه عليه الصلاة والسلام يعلمنا أن الحب في ظل الشرع أمر لا حرج فيه، فإنه قد قالت عائشة رضي الله عنها: { كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العظم فأتعرقه – أي: تأكل عروق العظم ما بقي من اللحم – ثم يأخذه فيديره حتى يضع فاه على موضع فمي } كان يفعل ذلك صلى الله عليه وسلم تحبباً وتلطفاً معها وإشعاراً لمنزلتها عنده صلى الله عليه وسلم.
وهنا أيضاً حادثة لطيفة فيما يتعلق بين الزوجات مع أزواجهن، الرواية عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها { أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لـعائشة و حفصة معها، وكان إذا كان بالليل يمشي مع عائشة يتحدث وقت الليل، ثم بعد ذلك يرجع فينام فقالت حفصة : ألا تركبين الليلة بعيري - نتبادل – وأركب بعيرك تنظرين وأنظر؟ - يعني: تجربين هذا البعير وأنا أجرب بعيرك، عرض من العروض - فقالت: بلى، فركبت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة فسلم عليها ثم سار حتى نزلوا وافتقدته عائشة ، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر وتقول: يا رب! سلط علي عقرباً أو حية تلدغني، رسولك ولا أستطيع أن أقول له شيئاً }، يعني: تبدي ما كان من ندمها في هذا الشأن.
فهذه مواقف يسيرة من معاملة الرسول عليه الصلاة والسلام لـعائشة رضي الله عنها، وحسن أدب عائشة مع المصطفى عليه الصلاة والسلام.
وهذا كله يدلنا على ما ينبغي أن يكون بين الرجل وزوجته. 
 الأحكام الفقهية المتعلقة بسيرة عائشة رضي الله عنها :-
ما يتعلق ببعض الاستنباطات الفقهية من عائشة رضي الله عنها ودقة علمها، وهذا نوع من المزواجة حتى ننتقل من مرحلة إلى أخرى؛ لأن هناك مواقف أخرى سيأتي ذكرها لاحقاً. 
في مسند الإمام أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت: { أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بتربان -بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال وهو بلد لا ماء به- وذلك من السحر، انسلت قلادة من عنقي فوقعت فحبس علي رسول الله صلى الله عليه وسلم لألتمسها حتى طلع الفجر، وليس مع القوم ماء فلقيت من أبي ما الله به عليم من التعنيف والتأفيف، قال: وفي كل سفر للمسلمين منك عناء وبلاء -أبو بكر يعاتبها- فأنزل الله الرخصة في التيمم، فتيمم القوم وصلوا، قالت: يقول أبي حين جاء الرخصة من الله للمسلمين: والله ما علمت يا بنية إنك لمباركة، ماذا جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر } فهذا مما كان من أسباب الأحكام الفقهية في شأن عائشة رضي الله عنها.
ومن ذلك أيضاً فيما يتعلق بالأحكام الفقهية المنقولة والملتصقة بسيرة عائشة ، عن أبي قيس مولى عمرو قال: { بعثني عبد الله بن عمرو إلى أم سلمة وقال: سلها أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم؟ فإن قالت: لا فقل: إن عائشة تخبر الناس أنه كان يقبل وهو صائم، فقال لها ذلك، فقالت له: لعله لم يكن يتمالك عنها حباً أما إياي فلا } لأنها كانت رضي الله عنها كبيرة في السن وهذا حكم أيضاً فقهي فيما يتعلق بها رضي الله عنها.
ومن ذلك أيضاً ما روته بكرة بنت عقبة أنها دخلت على عائشة وهي جالسة في معصفرة -أي: لباس مزين أو فيه صفرة- فسألتها عن الحناء، فقالت: شجرة طيبة وماء طهور، وسألتها عن الخفاف فقالت: إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك فتصنعي أحسن مما هما فافعلي، وهذا من أعظم فقه عائشة بالنسبة للنساء، تقول: إن كان لك زوج فاستطعت أن تنزعي مقلتيك أي: عينيك فتصنعيهما أحسن مما هما عليه فافعلي؛ وذلك لتكون أقرب وأحب إلى زوجها. 
 عائشة رضي الله عنها وموقفها من حادثة الإفك :-
بعد ذلك هناك الموقف العظيم في سيرة عائشة رضي الله عنها، وهو موقف في الحقيقة جدير بأن يكون درساً مستقلاً ولكني أدرجه ضمن هذا الدرس؛ لأن الحديث عن عائشة يستلزم ذكره وهو ما يتعلق بحادثة الإفك، وهي حادثة طويلة ذكرها الله عز وجل في كتابه، وبرأ فيه عائشة رضي الله عنها.
هذه الحادثة موجزها: { أن عائشة كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في بعض غزواتهم، فلما أرادوا أن ينصرفوا كانت ذهبت لقضاء حاجتها، فجاء القوم ليحملوا هودجها على البعير وحملوه ولم يشعروا بأنها ليست فيه؛ لأنها كانت خفيفة الوزن في ذلك الوقت ومضوا، فلما رجعت إلى مكانها وإذا القوم قد غادروا فظلت في مكانها لم تتحرك قالت: سيشعرون بي ويرجعون ليأخذوني وإذا بـصفوان بن المعطل رضي الله عنه كان في آخر الجيش، وبعد مضي الجيش بقليل مر، فإذا به يرى سواداً فاقترب فإذا هو يرى عائشة رضي الله عنها قالت: وكان قد رآني قبل أن ينزل الحجاب فاسترجع – أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون – قالت: فاستيقظت على استرجاعه، فأناخ جمله فقالت: والله ما كلمني حتى بلغنا القوم، فلما بلغت عائشة رضي الله عنها القوم تكلم المنافقون وعلى رأسهم عبد الله بن أبي بن سلول ، وخاضوا في وصم عائشة بالفاحشة مع صفوان بن المعطل ، وكانت عائشة رضي الله عنها سليمة القلب سليمة النية لم تسمع بذلك ولم تشعر به.
ثم لما قدم القوم المدينة خاض الناس في ذلك واتسع الكلام، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم أثر فيه هذا القول وقال: من يعذرني في رجل يتكلم في أهلي، وكان هناك خلاف بين الأوس والخزرج في هذا الشأن؛ لأن عبد الله بن أبي كان من أحد الفريقين، وكانت مسألة ومحنة عظيمة.
ثم إن عائشة لم تكن قد شعرت بشيء، حتى كانت في يوم من الأيام خرجت لتقضي حاجتها مع أم مسطح بن أثاثة وكان أحد المهاجرين الذين خاضوا في هذا القول، وقالوا بهذه الفرية، فلما رجعت عائشة وعثرت أم مسطح في حجرة فلما عثرت قالت: تعس مسطحاً ، فقالت عائشة رضي الله عنها بسلامة فطرتها وحسن إسلامها: بئسما قلت في رجل من المهاجرين ممن شهد بدراً، تدافع عن مسطح ، فقالت لها: إنك لا تعلمين ما قال فيك وعلمت بالخبر بعد ذلك، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم يقول لها: إن كنت ألممت بشيء فاستغفري الله وتوبي، فسكتت عائشة رضي الله عنها ولم ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم استعظاماً لما قاله لها عليه الصلاة والسلام، وظلت عائشة شهراً كاملاً لا يرقأ لها دمع تبكي وهي حزينة على هذا الأمر، حتى أنزل الله سبحانه وتعالى براءتها من فوق سبع سماوات، واستأمر النبي عليه الصلاة والسلام قبل ذلك واستشار بعض أصحابه، فأما بريرة فأثنت وقالت خيراً، وأما أسامة فقال كذلك، وأما علي رضي الله عنه فقال: سل الجارية فإن تسألها تصدقك الخبر، وكانت أزمة شديدة تتعلق بعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم } ومن حكمة الله عز وجل أنه لم ينزل الوحي في ذلك سريعاً، بل أبطأ شهراً كاملاً حتى أظهر الله المنافقين، وبين مواقف المؤمنين، وكان درساً عظيماً ذكره الله عز وجل في سورة النور فيما يتعلق بوجوب التثبت في الأخبار، وفي حسن الظن بالمسلمين، وفي مقارنة المسلم نفسه بأخيه، هل يتوقع ذلك من نفسه؟ هل يرضى ذلك لنفسه؟ فإن كان الجواب بالنفي، فإنه ينفي ذلك عن أخيه المسلم أيضاً، وفي ذلك أيضاً تعظيم لحرمة المسلم وعدم الاجتراء عليه في عرضه، أو في ماله، أو في نفسه.
وكان هذا الدرس العظيم مدرسة كاملة متعددة الجوانب، حتى إن الإمام ابن حجر رحمة الله عليه لما ذكر هذا الحديث ذكر فيه أكثر من ثلاثين فائدة، كل فائدة من هذه الفوائد تحتاج إلى درس طويل. 
شاهد هذا الأمر: هو أن عائشة رضي الله عنها قد كانت قوية الشكيمة، فإن بعض النساء من رقتهن وعاطفتهن الغالبة إذا ووجهت بأمر لم تفعله ثم كثر الكلام ربما غلب على ظنها أن تعترف بهذا الذي لم تفعله وتستغفر منه أو تتبرأ منه بعد ذلك؛ لأنها لم تستطع أن تواجه الضغوط من أقوال الناس والشائعات وغير ذلك، لكن عائشة لعلمها بطهارتها وبراءتها وقفت هذه الوقفة القوية، بل إنها كانت لها وقفة شديدة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لما نزلت براءتها قال لها أبو بكر رضي الله عنه: { قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم -أي: تستسمحي منه وتنهي الأمر- فقالت: والله لا أقوم إليه أبداً، فإن الله هو الذي أنزل براءتي } ثبات الموقف وبيان لما كانت عليه من معرفة نفسها وطهارتها، وفي ذات الوقت كان درساً للمسلمين عظيماً جداً يقع الناس فيه كثيراً، كما قال الله عز وجل: (( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ))[النور:15] .
هذا التلقي بالألسنة، التلقي في الأصل يكون بالأذن، ولكن قال بعض المفسرين: إن هؤلاء الذين لا يتثبتون في الأخبار وصف الله تلقيهم بالألسنة؛ لأنهم من الآذان مباشرة يجرونه على الألسنة، لا يمرونه على عقولهم، ولا يمرونه على الواقع، ولا يتأنون فيه، ولا يستثبتون منه، بل ينشرونه مباشرة، ولذلك بين الله عز وجل أن هذا من أعظم الفرية ومن أعظم البهتان الذي ينبغي أن يتوقى عنه المسلم، سيما إذا كان يتعلق بعرض أخيه المسلم الذي أخبر النبي عليه الصلاة والسلام عن شدة وعظمة حرمته؛ لأنه أعظم من حرمة الكعبة نفسها، وأن حرمة المسلم عند الله عز وجل لها أبلغ وأعلى المراتب، ولذلك كان في وصف هذه الحادثة على لسان عائشة ما يصور الحالة النفسية التي مرت بها، وقوة شخصيتها حتى تجاوزتها، وطهارتها عما وصفت به رضي الله عنها وأرضاها.
وكما قلت: في الحديث عن حادثة الإفك طول لا يتسع له هذا المقام، ولكن أذكر بعض ما كان من وصف عائشة رضي الله عنها في هذا الحادث، لما قال لها النبي عليه الصلاة والسلام: { أما بعد: يا عائشة ! فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، قالت: فلما قضى مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله فيما قال، قال: والله ما أدري ما أقول لرسول صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فقلت: وأنا يومئذ حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن: إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم من كثرة ما قيل، وصدقتم به، فلئن قلت لكم: إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدقني }.
نعم، كان هذا هو الحال لو اعترفت لكان ذلك أقرب إلى تصديق جميع الناس، ولو أعلنت براءتها لكان أبعد عن التصديق؛ لأنه قد كثر القول وانتشر وشاع، وهذه سمة الشائعات، سمة الشائعات أنها تشيع وتنتشر وتكثر حتى يسمعها الإنسان من أكثر من مصدر، فإذا سئل عنها جزم بها، وإذا قيل له: هل أنت متحقق؟ قال: نعم متحقق، فإذا سألته عن النسبة والنسب وعن الخبرة والبحث وجدته صفر اليدين، لو قلت له: ممن سمعت؟ قال: سمعت كذا وكذا، هل الذي سمع رأى بنفسه؟  كلا، هل سمع ممن وقع له الحادثة؟  كلا، فبقي الأمر في آخر الأمر كما يقول عنهم: (( أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ ))[الصافات:151] * (( وَلَدَ اللَّهُ ))[الصافات:152] إن تناقل الأخبار من غير تثبت من أفتك الأسباب بالمجتمعات، وإشاعة الشحناء والبغضاء والاختلافات والنزاعات بين الناس، ولذلك قالت عائشة بعد أن عجز أبو بكر وعجزت أمها عن أن يردا على رسول الله عليه الصلاة والسلام قالت هذه المقالة: { والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف -نسيت اسم يعقوب من شدة حزنها وما وقع لها من البلاء- (( فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ))[يوسف:18] ثم تحولت فاضطجعت إلى فراشي } هذا يدل على قوة شخصيتها رضي الله عنها وأرضاها وكان ممن حد في ذلك حسان و حمنة بنت جحش و مسطح بن أثاثة أما غير أولئك فكانوا من المنافقين، وقد كفر أولئك عن ذنبهم بالحد الذي أخذوه ثم بالتوبة الصادقة، وقال حسان في مدح عائشة رضي الله عنها:
رأيتك وليغفر الله لك حرة           من المحصنات غير ذات غوائل
حصان رزان ما تزن بريبة                   وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
وإن الذي قد قيل ليس بلائق بك              الدهر بل قيل امرئ متماحل
فإن كنت أهجوكم كما بلغوكم                 فلا رفعت صوتي إليَّ أناملي
وكيف وودي ما حييت ونصرتي             لآل رسول الله زين المحافل
وإن لهم عزاً يرى الناس دونه               قصاراً وطال العز كل التطاول
عقيلة حي من لؤي بن غالب       كرام المساعي مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها                    وطهرها من كل سوء وباطل
فهذه الحادثة كانت من أعظم الحوادث في سيرة عائشة رضي الله عنها وأرضاها. 
مجموع أوصاف عائشة رضي الله عنها :-
مما يتعلق بـعائشة، أوصافها فيما يتعلق بالنساء على وجه الخصوص، فمن ذلك: 
  زهد عائشة رضي الله عنها وإنفاقها في سبيل الله :-
إنها كانت زاهدة منفقة في سبيل الله عز وجل وهذا أمر مهم بالنسبة للنساء اللاتي إذا جاءهن المال أحببن أن يتجملن، وأن يأكلن، وأن يشربن، ونسين أن يتصدقن، بينما عائشة رضي الله عنها تضرب المثل في ذلك بأبلغ صوره حتى إنه تهدى إليها الأموال الكثيرة الوفيرة ثم تنفق منها كما ورد في الحديث الصحيح أنه جاءها مال فأنفقت منه، ثم لما جاء المغرب قالت لمولاتها: (ائتي لنا بطعام الفطور، قالت: لو أبقيت لنا شيئاً حتى نشتري طعاماً قالت: لولا ذكرتني) قد نسيت حاجتها لما كان منها من أمر الإنفاق وحب الإنفاق في سبيل الله عز وجل، ولذلك كانت رضي الله عنها على هذا النحو من الإنفاق في سبيل الله سبحانه وتعالى، وذكر في ذلك كثير من الأحاديث التي تبين أيضاً مشاركة المرأة لزوجها فيما يتعلق بشظف العيش وما يكون من الشدة التي تمر به أحياناً، وقد عايشت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يوقد في بيته نار، يمر الهلال والهلالان والثلاثة وكما قالت رضي الله عنها: { طعامه الأسودان: التمر والماء } فما غضبت لذلك، بل كانت هي أول من خيرها النبي صلى الله عليه وسلم في حادثة التخيير المشهورة أن يعطيهن من النعيم والمتاع وكذا، أو يكون لهن اتباع رسول الله عليه الصلاة والسلام فآثرت رسول الله. 
وقد كان الصحابة يؤثرونها بالعطايا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن معاوية رضي الله عنه بعث لها ثياباً رقاقاً فبكت رضي الله عنها وقالت: (ما كان هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم تصدقت به) وهذا يدلنا على طبيعتها التي نريد للمرأة المسلمة اليوم ألا تغرها الأموال وألا يغرها لين الثياب، بل تكون أسمى من ذلك وأرقى، خاصة وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أكثر أهل النار من النساء، ولذلك ندبهن دوماً إلى التصدق فكانت عائشة رضي الله عنها مثالاً راقياً وعالياً في هذا الأمر الذي يتعلق بشأن الإنفاق في سبيل الله عز وجل.
وأيضاً وصفت بأنها كانت للدنيا قالية، وعن سرورها لاهية، وعن فقد أليفها باكية، وقد أوصاها النبي صلى الله عليه وسلم كما في سنن الترمذي بأن يكون زادها في هذه الحياة الدنيا كزاد الراكب، ولذلك كانت على هذا النحو من التخفف من الدنيا والإنفاق في سبيل الله عز وجل، وقد كان عمر رضي الله عنه يتعهدها بالعطايا وقد ورد في حديث مرسل: (أنه جاء له في بعض المعارك درج فيه بعض الجواهر واللآلئ، واختلف الصحابة في تقسيمه فقال: ما قولكم أن يكون لـعائشة ؛ فإنها كانت حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: الأمر كذلك، فعهد به إلى عائشة وبكت وقالت: لعله ألا يصلني عطاؤه من قابل)، أي: أرادت ألا يكون الأمر كذلك، ولكنها عاشت بعده رضي الله عنها وأرضاها، فهذا بعض ما كان مروياً من زهدها رضي الله عنها وإنفاقها في سبيل الله عز وجل.
عن عروة عن عائشة رضي الله عنه قال في وصفها: رأيتها تقسم سبعين ألفاً وهي ترقع درعها، فكانت رضي الله عنها على هذا النحو. 
 عبادة عائشة رضي الله عنها :-
لها وصف آخر مهم بالنسبة للنساء على وجه الخصوص، وهي أنها كانت عابدة؛ لأنها عاشت في بيت النبوة ورأت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم الليل، فقالت لـعبد الله بن قيس وهذا من وصاياها: { لا تدع قيام الليل فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يدعه، وكان إذا مرض أو كسل صلى قاعداً }، وعند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن أبي موسى قال: (أرسلني مدرك لـعائشة رضي الله عنها لأسألها فجئت وهي تصلى فقلت: أقعد حتى تفرغ، ثم قلت: هيهات، أي: متى ستفرغ من صلاتها)، أي: من شدة طولها، وكانت رضي الله عنها ربما تقرأ الآية فتكررها، كما أثر عنها أنها كانت تقرأ قول الله عز وجل في الصلاة: (( فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ))[الطور:27] فتكررها وتبكي وتقول: (اللهم من علي وقني عذاب السموم). 
جهاد عائشة رضي الله عنها :-
لها وصف أو سمة مهمة وهي مشاركتها في الجهاد، وهذا يدلنا على أن المرأة المسلمة لها دور بارز في جوانب شتى من الحياة، فقد ورد أنها كانت مع نساء المسلمين في يوم أحد في إغاثة المسلمين ومعاونة جرحاهم وسقيا الماء، كما ورد من حديث أنس أنه قال: { رأيت عائشة و أم سليم وإنهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما، ينقلان القرب على متونهما ثم يفرغانها في أفواههم -يعني: في أفواه الرجال من الجرحى- ثم يرجعان فيملآن ثم يجيئان يفرغانها في أفواه القوم }.
وقد ورد لها موقف فريد أيضاً في وقعة الخندق: (فقد كانت من النساء اللآئي كن في المدينة وقد تحصن بالبيوت، وكانت فيها جرأة رضي الله عنها، فخرجت في أثناء غزوة الخندق تتبع بعض الآثار القنص تؤمن بعض الأماكن وجاء في أثرها بعض الصحابة ومروا بها فابتعدت عنهم قليلاً ثم دخلت على حديقة ومعها عصاً أو وتد، فلقيت عمر رضي الله عنه أمامها، فقال لها: ما جاء بك لعمري والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحيز إلى فئة يفر الناس وكذا، قالت: فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت بي ساعتئذ، ثم كان في القوم طلحة فرد على عمر وخفف عنها) وهذا ما يتعلق أيضاً بمشاركتها في هذا الجانب. 
زواج عائشة رضي الله عنها برسول الله صلى الله عليه وسلم :-
أحب أن أختم بمسألة مهمة آثرت إرجاءها وهي ما يتعلق بزواج عائشة رضي الله عنها: فقد خطبها النبي صلى الله عليه وسلم وهي ابنة ست سنين، وبنى بها ودخل عليها وهي ابنة تسع سنين، وكان ذلك في العام الثاني للهجرة بعد عودته من غزة بدر، وكما قال بعض الكتاب: لما انتصر رسول الله عليه الصلاة والسلام وأعز الله الإسلام والمسلمين، وفرح الرسول عليه الصلاة والسلام بذلك واطمأنت أقدامه في المدينة، كان الوقت مناسباً أن يبني بـعائشة رضي الله عنها.
وفي وصف تلك الحالة التي كانت تذكر عائشة : ما كان من شأن تغيير الجو على المسلمين المهاجرين من مكة لما جاءوا إلى المدينة استوخموا هواءها وأصابتهم حماها، حتى إن عائشة كانت تدخل على بلال رضي عنه وعلى أبي بكر و بلال يقول من شدة شوقه إلى مكة ومن شدة معاناته لهذا المرض كان يقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة       بواد وحولي أذخر وجليل
وهل أردن يوماً مياه مجنة          وهل يبدوان لي شامة وطفيل
جبال من جبال مكة.
وأبو بكر كانت تدخل عليه وهو من شدة الحمى يقول:
كل امرئ مصبح في أهله            والموت أدنى من شراك نعله
وقد أصاب عائشة رضي الله عنها مرض حتى تساقط شعرها وكان جميماً، يعني: شعرها قليل، وعند ذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: { اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد وصححها، وبارك لنا فيها وفي صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها إلى الجحفة } تقول عائشة رضي الله عنها: { فلما شفيت أخذت أمي تهيئني للزواج، وكانت أمي تعالجني للسمنة تريد أن تسمنها بعد أن ضعفت بسبب هذه الحمى قبل أن تدخلني على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما استقام لها ذلك حتى أكلت القثاء بالرطب فسمنت كأحسن سمنة، ثم قالت: جاءتني مرة وأنا ألعب مع صويحباتي فقالت: هاك هاك -يعني: تعالي- فجئت حتى حسنتني حتى أخذت نفسي ثم جاءت بي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: أهلك يا رسول الله } وذكرت عائشة رضي الله عنها في ما كان من وليمة عرسها ومهرها وما كان من سهولة ذلك، قالت: (والله ما ذبح جزور ولا شاة وإنما كان طعام يتعهد به سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما جاء به دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه القوم).
ومن لطائف ما ورد وبعضه يرد بحديث فيه انقطاع وضعف، وهذه الرواية لها حديث يجبر هذا الضعف: { أن بعض النساء من الأنصار كن يزين عائشة رضي الله عنها، وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم لبن فأراد أن يعطيهن، فقلن: لا نريد، فقال: لا تجمعن جوعاً وكذباً } فقد كن يحببن ذلك اللبن ولكنهن يمتنعن حياءً من الرسول صلى الله عليه وسلم. 
  عائشة رضي الله عنها والزواج المبكر :-
هنا الأمر المتعلق بالزواج المبكر الذي يحتقره بعض الناس، ويذكرونه ذكراً فيه ازدراء وانتقاد، وما يعلمون أن في هذا الانتقاد انتقاداً لفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: إن الزواج المبكر فيه خير كثير، من هذا الخير بالنسبة للمرأة على وجه الخصوص:
هو أنه للمرأة عصمة ووقاية من الانحراف والمعاصي، حتى لا يكون هناك مجال للتعرض للفتنة أو الاعتداء عليها أو نحو ذلك.
ثم مصلحة الاستقرار النفسي المبكر بدلاً من أن يبقى الحال كما هو حال الناس اليوم تبلغ الفتاة وهي ابنة عشر وتتزوج وهي ابنة ثلاثين، وتبلغ سن اليأس وهي ابنة أربعين، فيكون ما مضى من عمرها في الحرمان أكثر مما مضى في نعمة الزواج والمعاشرة، وهذه الفطرة البشرية لا تكون مستقرة إلا بما يحقق غايتها ورغبتها وفق شرع الله عز وجل، ولذلك نجد اليوم جنوحاً في الأفكار، وشطحاً في العواطف، واختلالاً في التفكير، واضطراباً في المعاملة، كله ناشئ على أن النفس لم تجد بغيتها وحاجتها الغريزية الفطرية في الوقت المناسب، وبالهيئة المناسبة التي شرعها الله عز وجل.
وفي هذا من الفوائد أيضاً: تكثير النسل وتقارب ما بين الأب وأبنائه، فتكثير النسل هذا يمتد مداه طويلاً، فكما قال الشافعي : رأيت جدة ولها إحدى وعشرين سنة، أما الآن تجد أن عمرها واحد وعشرون سنة وهي لم تتزوج بعد، قد سبق أن ذكرت ذلك مرة: تسع سنوات تزوجت وولدت بعد سنة فكان عمرها عشر سنوات، ثم بعد تسع سنوات تزوجت ابنتها وبعد سنة أخرى ولدت، فكان عمر الأم انتهت من العشرين ودخلت في الواحد والعشرين فصارت جدة بذلك، فهذا تكثير للنسل.
وفيه أيضاً: أنه يكون قرب بين الأب والأم وبين الأبناء من حيث السن، لا يكون الفارق كبيراً، فإن الفارق الكبير في بعض الأحيان كما نرى أنه إذا تزوج وهو كبير يأتي أبناؤه صغاراً فيكون عنده من العاطفة والشفقة بهم شيء كثير، فيغلب جانب حبهم والعطف عليهم دون أن يكون موجهاً أو مربياً لهم، ويكون فارق التفكير والاهتمامات بين الأب وابنه كبيراً، بينما في غير هذه الصورة في الزواج المبكر يكون على غير هذا النحو والنهج، ثم هذا كله يدلنا على ما كان من التيسير في الأمور دون التعقيد فيها. 
فهذه جملة من المواقف التي تتعلق بسيرة عائشة رضي الله عنها، وما لم أذكره أكثر مما ذكرته وأذكر هنا الكتب والأشرطة في حياة عائشة رضي الله عنها؛ لأن ما ذكرته لكم قد قرأت فيه ترجمة لـعائشة في سير أعلام النبلاء وهي من أجمع وأنفع ما ذكره أهل العلم، وكذلك ترجمتها في البداية والنهاية لـابن كثير رحمة الله عليه، وكذلك فصل في فضائل عائشة رضي الله عنها من كتاب: فضائل الصحابة للإمام أحمد رحمة الله عليه، وكذلك كتاب خاص عن عائشة رضي الله عنها: "عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين" ضمن سلسلة أعلام المسلمين وهناك "السمط الثمين في مناقب أمهات المؤمنين"، وهناك: "الإجابة فيما استدركته عائشة على الصحابة" للزركشي ، وهناك أيضاً ما يتعلق بالزواج المبكر رسالة أو كتاب مختصر في مسألة الزواج المبكر والرد على من نفوه، وبيان فوائده وجوازه ومشروعيته للدكتور ملا خليل خاطب وغيرها أيضاً من الكتب، فإن ترجمة عائشة واسعة، وفيها كثير من الجوانب. 
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
مُشاطرة هذه المقالة على: diggdeliciousredditstumbleuponslashdotyahoogooglelive

لا يوجد حالياً أي تعليق


    الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أكتوبر 24, 2018 5:28 am